فصل: تفسير الآية رقم (14):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (7):

{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)}
{كَلاَّ} ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب {إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ} إلخ تعليل للردع أو وجوب الارتداع بطريق التحقيق وكتاب قيل عنى مكتوب أي ما يكتب من أعمال الفجار لفي إلخ وقلي مصدر عنى الكتابة وفي الكلام مضاف مقدر أي كتابة عمل الفجار {لَفِى} إلخ والمراد بافلجار هنا على ما قال أبو حيان الكفار وعلى ما قال غير واحد ما يعمهم والفسقة فيدخل فيهم المطففون وسجين قيل صفة كسكير واختار غير واحد أنه علم لكتاب جامع وهو ديوان الشر دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين كما قال تعالى:

.تفسير الآيات (8- 9):

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9)}
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ كتاب مَّرْقُومٌ} فإن الظاهر أن كتاب بدل من سجين أو خبر مبتدا محذوف هو ضمير راجع إليه أي هو كتاب وأصله وصف من السجن بفتح السين لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس فهو في الأصل فعيل عنى فاعل أو لأنه ملقى كما قيل تحت الأرضين في مكان وحش كأنه مسجون فهو مبعنى مفعول ولا يلزم على جعله علمًا لما ذكر كون الكتاب ظرفًا للكتاب لما سمعت من تفسير كتاب الفجار وعليه يكون الكتاب المذكور ظرفًا للعمل المكتوب فيه أو ظرفًا للكتابة وقيل الكتاب على ظاهره والكلام نظير أن تقول إن كتاب حساب القرية الفلانية في الدستور الفلاني لما يشتمل على حسابها وحساب أمثالها في أن الظرفية فيه من ظرفية الكل للجزء وعن الإمام لا استبعاد في أن يوضع أحدهما في الآخر حقيقة أو ينقل ما في أحدهما للآخر وعن أبي علي أن قوله تعالى: {كتاب مَّرْقُومٌ} أي موضع كتاب فكتاب على ظاهره وسجين موضع عنده ويؤيده ما أخرج ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعًا أن الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب فيها مفتوح وعليه يكون سجين لشر موضع في جهنم وجاء فـ عدة آثار أنه موضع تحت الأرض السابعة ولا منافاة بين ذلك وبين الخبر المذكور بناء على القول بأن جهنم تحت الأرض وفي الكشف لا يبعد أن يكون سجين علم الكتاب وعلم الموضع أيضًا جمعًا بين ظاهر الآية وظواهر الأخبار وبعض من ذهب إلى أنه في الآية علم الموضع قال وما أدراك سجين على حذف مضاف أي وما أدراك ما كتاب سجين وقال ابن عطية من قال بذلك فكتاب عنده مرفوع على أنه خبر أن والظرف الذي هو {لَفِى سِجّينٍ} ملغى وتعقب بأن إلغاءه لا يتسنى إلا إذا كان معمولًا للخبر أعني كتاب أو لصفته أعني مرقوم وذلك لا يجوز لأن كتاب موصوف فلا يعمل ولأن مرقوم الذي هو صفته لا يجوز أن تدخل اللام في معموله ولا يجوز أن يتقدم معموله على الموصوف وفيه نظر وقيل كتاب خبر ثان لأن وقيل خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى كتاب الفجار ومناط الفائدة الوصف والجملة في البين اعتراضية وكلا القولين خلاف الظاهر وعن عكرمة أن سجين عبارة عن الخسارة والهوان كما تقول بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول والكلام في {وَمَا أَدْرَاكَ} إلخ عليه يعلم مما ذكرنا وهذا خلاف المشهور وزعم بعض اللغويين أن نونه بدل من لام وأصله سجيل فهو كجبرين في جبريل فليش مشتقًا من السجن أصلًا ومرقوم من رقم الكتاب إذا أعجمه وبينه لئلا يلغو أي كتاب بين الكتابة أو من رقم الكتاب إذا جعله له رقمًا أي علامة أي كتاب معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه وقال ابن عباس والضحاك مرقوم مختوم بلغة حمير وذكر بعضهم أنه يقال رقم الكتاب عنى ختمه ولم يخصه بلغة دون لغة وفي البحر مرقوم أي مثبت كالرقم لا يبلى ولا يمحى وهو كما ترى وشاع الرقم في الكتابة قال أبوحيان وهو أصل معناه ومنه قول الشاعر:
سأرقم في الماء القراح إليكم ** على بعدكم إن كان للماء راقم

وأما الرقم المعروف عند أهل الحساب فالظاهر أنه عنى العلامة وخص بعلامة العدد فيما بينهم وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (10):

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)}
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} متصل بقوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6] وما بينهما اعتراض والمراد للمكذبين بذلك اليوم فقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (11):

{الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)}
{الذين يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ الدين} أما مجرور على أنه صفة ذامة للمكذبين أو بدل منه أو مرفوع أو منصوب على الذم وجوز أن يكون صفة كاشفة موضحة وقيل هو صفة مخصصة فارقة على أن المراد المكذبين بالحق والأول أظهر لأن قوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (12):

{وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)}
{وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ} إلخ يدل على أن القصد إلى المذمة أي وما يذكب بيوم الدين الأكل متجاوز حدود النظر والاعتبار غال في التقليد حتى جعل قدرة الله تعالى قاصرة عن الإعادة وعلمه سبحانه قاصرًا عنمعرفة الأجزاء المتفرقة التي لابد في الإعادة منها فعد الإعادة محالة عليه عز وجل: {أَثِيمٍ} أي كثير الآثام منهمك في الشهوات المخدجة الفانية بحيث شغلته عما وراءها من اللذات التامة الباقية وحملته على إنكارها.

.تفسير الآية رقم (13):

{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13)}
{إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا} الناطقة بذلك {قَالَ} من فرط جهله وإعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه {أساطير الاولين} أي هي حكايات الأولين يعني هي أباطيل جاء بها الأولون وطال أمد الأخبار بها ولم يظهر صدقها أو أباطيل ألقيت على آبائنا الأولين وكذبوها ولسنا أول مكذب بها حتى يكون التكذيب منا عجلة وخروجًا عن طريق الحزم والاحتياط والأول أظهر والآية قيل نزلت في النضر بن الحرث وعن الكلبي أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وأيًا ما كان فالكلام على العموم وقرأ أبو حيوة وابن مقسم إذا يتلى بتذكير الفعل وقرئ إذا تتلى على الاستفهام الإنكاري.

.تفسير الآية رقم (14):

{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}
{كَلاَّ} ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه وقوله عز وجل: {بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بيان لما أدى بهم إلى التفوه بتلك العظيمة أي ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال في شأنها مثل تلك المقالة الباطلة بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما استمروا على اكتسابه من الكفر والمعاصي حتى صار كالصدافي المرآة فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق فلذلك قالوا ما قالوا والرين في الأصل الصدأ يقال: {رَانَ} عليه الذنب وغان عليه رينا وغنيًا ويقال: {رَانَ} فيه النوم أي رسخ فيه وفي البحر أصل الرين الغلبة يقال رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبت وران الغشي على عقل المريض أي غلب وقال أبو زيد يقال رين بالرجل يران به رينًا إذا وقع فيما لا يستطيع منه الخروج وأريد به حب المعاصي الراسخ بجامع أنه كالصدا المسود للمرآة والفضة مثلًا المغير عن الحالة الأصلية وأخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله تعالى في القرآن كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال كانوا يرون أن الرين هو الطبع وذكروا له أسبابًا وفي حديث أخرجه عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم عن أبي المجبر أنه عليه الصلاة والسلام قال «أربع خصال مفسدة للقلوب مجاراة الأحمق فإن جاريته كنت مثله وإن سكت عنه سلمت منه وكثرة الذنوب مفسدة للقلوب وقد قال الله تعالى بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون والخلوة بالنساء والاستمتاع بهن والعمل برأيهن ومجالسة الموتى قيل يا رسول الله من هم قال كل غني قد أبطره غناه» وقرئ بإذغام اللام في الراء وقال أبو جعفر بن الباذش أجمهوا يعني القراء على إدغام اللام في الراء إلا ما كان من وقف حفص على بل وقفًا خفيفًا يسيرًا لتبيين الإطهار وليس كما قال من الإجماع ففي اللوامح عن قالون من جميع طرقه إظهار اللام عند الراء نحو قوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} [النساء: 158] {بل ربكم} [الأنبياء: 56] وفي كتاب ابن عطية وقرأ نافع بل ران غير مدغم وفيه أيضًا وقرأ نافع أيضًا بالإذغام والإمالة وقال سيبويه في اللام مع الراء نحو أشغل رحمه البيان والإدغام حسنان وقال أيضًا فإذا كانت يعني اللام غير لام التعريف نحو لام هل وبل فإن الإدغام أحسن فإن لم تدغم فهي لغة لأهل الحجاز وهي عربية جائزة وفي الكشاف قرئ بادغام اللام في الراء وبالإظهار والإدغام أجود وأميلت الألف وفحمت فليحفظ.

.تفسير الآية رقم (15):

{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)}
{كَلاَّ} ردع وزجر عن الكسب الرائن أو عنى حقًا {أَنَّهُمْ} أي هؤلاء المكذبين {عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} لا يرونه سبحانه وهو عز وجل حاضر ناظر لهم بخلاف المؤمنين فالحجاب مجاز عن عدم الرؤية لأن المحجوب لا يرى ما حجب أو الحجب المنع والكلام على حذف مضاف أي عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه سبحانه واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص وقال الشافعي لما حجب سبحانه قومًا بالسخط دل على أن قومًا يرونه بالرضا وقال أنس بن مالك لما حجب عز وجل أعداءه سبحانه فلم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه عز وجل ومن أنكر رؤيته تعالى كالمعتزلة قال إن الكلام تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم كما قال:
إذا اعتروا باب ذي عبية رجبوا ** والناس من بين مرجوب ومحجوب

أو هو بتقدير مضاف أي عن رحمة ربهم مثلًا لمحجوبون وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد تقدير ذلك وعن ابن كيسان تقدير الكرامة لكنهم أرادوا عموم المقدر لرؤية وغيرها من ألطافه تعالى والجار والمجرور متعلق حجوبون وهو العامل في يومئذ والتنوين فيه تنوين عوض والمعوض عنه هنا {يقوم الناس} [المطففين: 6] السابق كأنه قيل إنهم لمحجوبون عن ربهم يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين.

.تفسير الآية رقم (16):

{ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16)}
{ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم} مقاسو حرها على ما قال الخليل وقيل داخلون فيها وثم قيل لتراخي الرتبة لكن بناء على ما عندهم فإن صلى الجحيم عندهم أشد من حجابهم عن ربهم عز وجل وأما عند المؤمنين لاسيما الوالهين به سبحانه منهم فإن الحجاب عذاب لا يدانيه عذاب.

.تفسير الآية رقم (17):

{ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)}
{ثُمَّ يُقَالُ} لهم تقريعًا وتوبيخًا من جهة الخزنة أو أهل الجنة {هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} فذوقوا عذابه.

.تفسير الآية رقم (18):

{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)}
{كَلاَّ} تكرير للردع السابق في قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار} [المطففين: 7] إلخ ليعقب بوعد الأبرار كما عقب ذاك بوعيد الفجار إشعارًا بأن التطفيف فجور والإيفاء بر وقيل ردع عن التكذيب فلا تكرار {إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عالين}.

.تفسير الآية رقم (19):

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19)}
الكلام نحو ما مر في نظيره بيد أنهم اختلفوا في عليين على وجه آخر غير اتخلافهم في سجين فقال غير واحد هو علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على فعيل من العلو كسجين من السجن سمي بذلك أما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان أو لأنه مرفوع في السماء السابعة أو عند قائمة العرش اليمني مع الملائكة المقربين عليهم السلام تعظيمًا له وقيل هو المواضع العلية واحده على وكان سبيله أن يقال علية كما قالوا للغرفة علية فلما حذفوا التاء عوضوا عنها الجمع بالواو والنون وحكى ذلك عن أبي الفتح بن جني وقيل هو وصف لملائكة ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا واحد له من لفظه كعشرين وثلاثين والعرب إذا جمعت جمعًا ولم يكن له بناء واحدًا ولا تثنية أطلقوه في المذكر والمؤنث بالواو والنون.